الخلاصة

  • ألغت المحكمة الإدارية الاتحادية السويسرية، في حكمها الصادر في 21 سبتمبر 2026 بالقضية B-3186/2024، قرار لجنة المنافسة COMCO المتعلق باستراتيجية Swisscom للألياف الضوئية، بعدما خلصت إلى أن الهيمنة لم تثبت في السوق التي حددتها اللجنة.
  • لم يكن الخلاف مجرد مفاضلة تقنية بين الألياف نقطة إلى نقطة (P2P) ونقطة إلى نقاط متعددة (P2MP). فقد استبعد تعريف السوق منتجات جملة يمكن توفيرها عبر بنية P2MP، رغم اختلافها عن النفاذ المادي الفردي المتصل من الطبقة الأولى.
  • لم تبت المحكمة في بقية الأسباب الموضوعية للطعن، ولم تمنح جميع شبكات P2MP موافقة قانونية شاملة. كما لا يمنع الحكم، في ذاته، تحقيقاً جديداً يتناول سوقاً أو سلوكاً مختلفاً.
  • تكمن الدلالة التنظيمية الأساسية في ترتيب التحليل: تحديد المنتجات المعروضة أو الممكن توفيرها تقنياً أولاً، ثم فحص قابليتها للاستبدال، قبل الانتقال إلى إثبات الهيمنة وتقييم إساءة استغلالها.

قرار أُلغي من أساسه لا من تفاصيله

في النزاعات المتعلقة بالبنية التحتية للاتصالات، يمكن أن تبدو هندسة الشبكة هي القضية الحاسمة. فاختيار مسار الألياف الضوئية يحدد نوع الاتصال الذي يستطيع المشغلون الحصول عليه، ونقطة دخول المنافسين إلى الشبكة، ومقدار اعتمادهم على صاحب البنية الأساسية.

لكن القضية السويسرية B-3186/2024 انتهت عند سؤال قانوني أسبق: ما السوق الذي ينبغي إثبات الهيمنة فيه أصلاً؟

في الحكم الكامل الصادر في 21 سبتمبر 2026، ألغت المحكمة الإدارية الاتحادية قرار لجنة المنافسة المتعلق باستراتيجية Swisscom لبناء شبكة الألياف الضوئية. وأعلنت المحكمة النتيجة في بيانها الصادر في 13 أكتوبر 2026.

السبب المحدد للإلغاء هو أن الهيمنة لم تثبت في السوق التي اعتمدتها اللجنة. ولم يكن ذلك حكماً نهائياً بشأن جميع المزايا التنافسية للبنية الشبكية التي اختارتها Swisscom، أو جميع الاعتراضات الممكنة عليها.

هذا الفرق أساسي لفهم القرار. فإلغاء عقوبة بسبب خلل في تعريف السوق لا يعادل إعلان أن كل ممارسة مرتبطة بالبنية التحتية سليمة من منظور المنافسة. إنه يعني أن الأساس التحليلي الذي استُخدم لإثبات المخالفة لم يكن كافياً لإسناد القرار المطعون فيه.

من تغيير تصميم الشبكة إلى تدخل لجنة المنافسة

بدأت الوقائع التي قادت إلى النزاع مطلع عام 2020، عندما أعلنت Swisscom تغيير استراتيجيتها في بناء الألياف الضوئية من نموذج نقطة إلى نقطة (P2P) إلى نموذج نقطة إلى نقاط متعددة (P2MP).

يتيح النموذج الأول توفير ليف ضوئي مادي مستقل ومتصل من المقسم إلى المستخدم النهائي. وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة عندما يكون المنتج المطلوب نفاذاً مادياً فردياً من الطبقة الأولى، إذ يستطيع المشغل المستفيد التعامل مع مسار بصري مخصص بدلاً من الاعتماد على خدمة منشأة في طبقة أعلى.

أما في نموذج P2MP، فيشترك عدة مستخدمين في ليف التغذية عبر مقسمات ضوئية. ولذلك لا يتيح هذا التصميم اتصالاً فردياً متصلاً ومماثلاً لما يمكن توفيره في P2P.

غير أن عدم توافر المنتج نفسه لا يعني انعدام جميع منتجات الجملة.

فيمكن تقنياً توفير النفاذ إلى شجرة الألياف التي تستخدم P2MP، إلى جانب خدمات الجملة في الطبقتين الثانية والثالثة. وهذه المنتجات تختلف من حيث مستوى التحكم التقني وطبيعة الخدمة عما يوفره النفاذ الفردي من الطبقة الأولى. لكنها تظل منتجات يمكن أن تدخل في تحليل أسواق الجملة بحسب السؤال التنافسي المطروح.

فتحت لجنة المنافسة السويسرية، المعروفة اختصاراً باسم COMCO، تحقيقاً في 14 ديسمبر 2020. وصدرت خلال عامي 2021 و2022 إجراءات قضائية مرتبطة بتدابير مؤقتة؛ وهي مرحلة يجب فصلها عن الفصل النهائي في موضوع النزاع.

وفي 4 ديسمبر 2023، اتخذت اللجنة قرارها الرئيسي، الذي أُبلغ رسمياً في 24 أبريل 2024. وخلصت فيه، ضمن السوق التي حددتها، إلى أن Swisscom أساءت استغلال مركز مهيمن. كما فرضت متطلبات مرتبطة ببناء الشبكة وغرامة تقارب 18 مليون فرنك سويسري.

يمكن الرجوع إلى قرار COMCO المؤرخ في 4 ديسمبر 2023 لفهم الأساس الذي اعتمدته اللجنة.

طعنت Swisscom في القرار الرئيسي بتاريخ 23 مايو 2024. وبعد أكثر من عامين، صدر الحكم الذي ألغاه. ولذلك فإن الحدث التنظيمي الجديد في أكتوبر 2026 ليس إعادة النظر في التدابير المؤقتة السابقة، بل سقوط القرار الرئيسي نفسه نتيجة قصور إثبات الهيمنة.

أين اختل تعريف السوق؟

يمكن تلخيص المنطق الذي اعتمدته المحكمة في خطوتين مترابطتين.

تبدأ الخطوة الأولى بتحديد المنتجات التي تعرضها الشركة بالفعل أو تستطيع توفيرها تقنياً. وبعد ذلك تأتي الخطوة الثانية، وهي فحص مدى قابلية هذه المنتجات للاستبدال والحدود المناسبة للسوق المعنية.

لم يكن مطلوباً من المحكمة افتراض أن جميع منتجات الجملة متطابقة. على العكس، فإن التمييز بينها جزء ضروري من أي تحليل سليم.

المشكلة في قرار COMCO، وفق الأساس الذي أدى إلى إلغائه، أن السوق صيغت حول اتصال فردي متصل من الطبقة الأولى، بينما استُبعدت منتجات جملة يمكن تقديمها عبر P2MP، من بينها النفاذ إلى شجرة الألياف وخدمات الطبقتين الثانية والثالثة.

هنا يظهر الفارق بين سؤالين كثيراً ما يختلطان في النقاش التنظيمي.

السؤال الأول: هل تستطيع بنية P2MP توفير الليف الفردي المتصل نفسه الذي تتيحه P2P؟ والإجابة التقنية، وفق الوقائع محل النزاع، هي أنها لا تستطيع.

السؤال الثاني: هل تستطيع Swisscom تقديم منتجات جملة أخرى بواسطة هذه البنية؟ والإجابة هي نعم، من الناحية التقنية، وإن كانت تلك المنتجات مختلفة عن النفاذ الفردي المطلوب.

إثبات عدم توافر المنتج الأول لا يكفي وحده لإلغاء وجود المنتجات الأخرى من التحليل السوقي. كما أن وجود المنتجات الأخرى لا يثبت تلقائياً أنها بدائل اقتصادية مكافئة للمنتج الأول.

ولهذا كان ترتيب الأسئلة حاسماً. فقبل الحكم على قدرة شركة على التصرف باستقلال عن الضغوط التنافسية، يجب تحديد موضوع المنافسة نفسه بطريقة منسجمة مع واقع العرض التقني.

إذا استبعد التحليل منتجات يمكن تقديمها بالفعل، ثم استُخدمت السوق الناتجة لإثبات الهيمنة، فإن الاستنتاج النهائي يصبح معرضاً للاعتراض حتى قبل مناقشة السلوك المنسوب إلى الشركة.

الجغرافيا كشفت حدود الافتراض

لم تكن مشكلة تحديد السوق نظرية مجردة، بل ظهرت أيضاً عند النظر إلى اختلاف أوضاع المناطق التي شملتها استراتيجية توسيع الشبكة.

في المناطق التي لم يكن مد الألياف قد اكتمل فيها، لم يكن المنتج الذي اتخذته اللجنة محوراً لتعريف السوق متاحاً بعد. وكان ذلك يثير إشكالاً بشأن التعامل مع المنتج المحدد بوصفه أساساً قائماً للتحليل في تلك المناطق.

أما في المناطق المعتمدة على P2MP، فكانت المسألة مختلفة. فالبنية لا توفر الاتصال الفردي المتصل نفسه، لكنها تسمح تقنياً بتقديم منتجات جملة أخرى استبعدتها اللجنة من السوق التي صاغتها.

وبالتالي، لا يمكن اختزال الحالتين في وصف موحد لغياب النفاذ. ففي الحالة الأولى، يتعلق الأمر بعدم اكتمال البنية اللازمة للمنتج المحدد. وفي الثانية، يتعلق الأمر بتوافر منتجات أخرى عبر بنية مختلفة.

هذا التفاوت الجغرافي يعزز أهمية تحليل ما يمكن عرضه فعلياً، بدلاً من بناء السوق على نموذج تقني واحد ثم تطبيقه دون تمييز على مناطق ذات أوضاع شبكية مختلفة.

ولا يستلزم ذلك القول إن الاختلافات الجغرافية تحسم وحدها حدود السوق. لكنه يوضح لماذا يصبح تجاهل المنتجات الممكنة تقنياً مؤثراً في سلامة الاستنتاج بشأن الهيمنة.

لماذا لم تفصل المحكمة في بقية الاعتراضات؟

يستند تطبيق قواعد منع إساءة استغلال الهيمنة إلى تسلسل منطقي: تحديد السوق ذات الصلة، وإثبات المركز المهيمن فيها، ثم تقييم السلوك محل الاعتراض على أساس هذا المركز.

إذا لم تثبت إحدى الحلقات اللازمة لهذا التسلسل، فقد لا يعود الفصل في الحلقات اللاحقة ضرورياً لحسم الطعن المعروض.

هذا ما يفسر حدود حكم B-3186/2024. فالمحكمة رأت أن عدم إثبات الهيمنة في السوق المحددة يكفي لإلغاء قرار COMCO. ولذلك لم تفصل في بقية الأسباب الموضوعية التي أثيرت ضد القرار.

ولا ينبغي تحويل هذه النتيجة الإجرائية والقانونية إلى استنتاجات لم تصدر عن المحكمة.

فالحكم لا يقرر تكافؤ النفاذ المادي من الطبقة الأولى مع خدمات الطبقتين الثانية والثالثة. ولا يؤكد أن جميع تطبيقات P2MP متوافقة بالضرورة مع قانون المنافسة. ولا يحسم بصورة عامة ما إذا كانت بنية معينة قد تؤثر في فرص المنافسة ضمن تعريف آخر للسوق.

كذلك لا يستبعد الحكم، في ذاته، فتح تحقيق جديد بموضوع مختلف. غير أن إمكان التحقيق لا يعني أنه سيُفتح، ولا يسمح بافتراض نتيجته.

الدلالة المثبتة أضيق وأكثر تحديداً: القرار المطعون فيه أُلغي لأن السوق التي حددتها اللجنة لم توفر أساساً كافياً لإثبات الهيمنة المنسوبة إلى الشركة.

ما الذي تغير قانونياً، وما الذي لم يثبت؟

أحدث الحكم تغييراً مباشراً في وضع قرار COMCO الصادر في ديسمبر 2023، إذ ألغاه بعد الطعن المقدم ضده.

لكن أثر الحكم على ذلك القرار لا يوفر، بمفرده، دليلاً على تغير أسعار خدمات الجملة أو التجزئة، أو خطط الاستثمار، أو أوضاع المستهلكين، أو نطاق توسعات الشبكة المستقبلية.

هذه متغيرات اقتصادية وتشغيلية منفصلة تحتاج إلى أدلة مستقلة. وليس من الدقة التعامل معها بوصفها نتائج مؤكدة لحكم اقتصر أساسه الحاسم على تحديد السوق وإثبات الهيمنة.

ويشير بيان المحكمة إلى إمكان الطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا السويسرية. ولا تكفي هذه الإشارة لإثبات تقديم طعن لاحق أو عدم تقديمه.

يبقى العنصر الأهم في القضية هو أن الوصف التقني للشبكة يجب ألا يتحول، من دون تحليل وسيط، إلى تعريف قانوني حصري للسوق. فالمنتج الذي لا تستطيع بنية معينة توفيره ليس بالضرورة المنتج الوحيد الجدير بالدراسة عند تقييم نشاط الجملة الذي تستطيع تلك البنية دعمه.

ومن هذه النقطة تحديداً تستمد القضية أهميتها التنظيمية: ليس لأنها أنهت الخلاف الأوسع حول نماذج الألياف الضوئية، بل لأنها أوضحت أن دقة السؤال القانوني تسبق قوة الجواب المتعلق بالهيمنة.